الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

121

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أعمالا تنفع المسلمين يجدونها عند الحشر على فرض ظهور صدق الرسول . ويبقون على دينهم فلا يتعرّضون للمهالك في الغزو ولا للمشاق ، وهذا من سوء نظر أهل الضلالة كما حكى اللّه تعالى عن بعضهم : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [ مريم : 77 ] إذ حسب أنّه يحشر يوم البعث بحالته التي كان فيها في الحياة إذا صدق إخبار الرسول بالبعث . [ 54 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 54 ] وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) عطف على جملة إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ [ التوبة : 53 ] لأنّ هذا بيان للتعليل لعدم قبول نفقاتهم بزيادة ذكر سببين آخرين مانعين من قبول أعمالهم هما من آثار الكفر والفسوق . وهما : أنّهم لا يأتون الصلاة إلّا وهم كسالى ، وأنّهم لا ينفقون إلّا وهم كارهون . والكفر وإن كان وحده كافيا في عدم القبول ، إلّا أن ذكر هذين السببين إشارة إلى تمكّن الكفر من قلوبهم وإلى مذمّتهم بالنفاق الدالّ على الجبن والتردّد . فذكر الكفر بيان لذكر الفسوق ، وذكر التكاسل عن الصلاة لإظهار أنّهم متهاونون بأعظم عبادة فكيف يكون إنفاقهم عن إخلاص ورغبة . وذكر الكراهية في الإنفاق لإظهار عدم الإخلاص في هذه الخصلة المتحدّث عنها . وقرأ حمزة والكسائي : أن يقبل منهم - بالمثناة التحتية - لأنّ جمع غير المؤنّث الحقيقي يجوز فيه التذكير وضدّه . [ 55 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 55 ] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) تفريع على مذمّة حالهم في أموالهم ، وأن وفرة أموالهم لا توجب لهم طمأنينة بال ، بإعلام المسلمين أنّ ما يرون بعض هؤلاء المنافقين فيه من متاع الحياة الدنيا لا ينبغي أن يكون محلّ إعجاب المؤمنين ، وأن يحسبوا المنافقين قد نالوا شيئا من الحظّ العاجل ببيان أنّ ذلك سبب في عذابهم في الدنيا . فالخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد تعليم الأمّة . ومعنى هذه الآية : أنّ اللّه كشف سرّا من أسرار نفوس المنافقين بأنّه خلق في